عبد الملك الجويني
70
الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أول الاعتقاد
ومما وقع السؤال عنه ما يروى عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « إذا كان يوم القيامة ، واستقرّ أهل الجنان في النعيم ، وأهل النار في الجحيم ؛ وقالت النار : هل من مزيد ؟ ، فيضع الجبار قدمه في النار ، فتقول النار : قط قط » « 1 » . وهذا مما رواه محمد بن إسماعيل في كتاب التفسير من مسنده الصحيح . وللتأويل أوسع مجال فيه ، فيمكن أن يحمل الجبار على متجبر من العباد ، وهو في معلوم اللّه من أعتى العتاة ، وقد ألهمت النار ترقّبه ، فهي لا تزال تستزيد حتى يستقرّ قدم ذلك الجبار فيها ، فتقول النار عند ذلك : قط قط . وقد ورد في مأثور الأخبار : أن أقدام الخلائق البرّ منهم والفاجر تستقر على متن جهنم كأنها إهالة جامدة ، فإذا وافت الأقدام عليها ازدردت النار أهلها ، ولهي أعرف بهم من الوالدة بولدها . ومصداق حمل الجبار على ما ذكرناه ، ما روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « أهل النار كل متكبر جبار ، جظّ ، جعظريّ ، جوّاظ » « 2 » . ويمكن حمل القدم على بعض الأمم المستوجبة للنار في علم اللّه تعالى ، وتكون الإضافة في القدم بمعنى الملك . ومما تتمسك به الحشوية ، ما روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « إن اللّه خلق آدم على صورته » ، وهذا الحديث غير مدوّن في الصحاح ، وإن صح فقد نقل له سبب أغفله الحشوية ، وهو ما روي أن رجلا كان يلطم عبدا له حسن الوجه ، فنهاه صلى اللّه عليه وسلّم عن ذلك ، وقال : « إن اللّه تعالى خلق آدم على صورته » ، والهاء راجعة على العبد المنهي عن ضربه . ويمكن صرف الهاء إلى آدم نفسه ، ومعنى الحديث على ذلك أن اللّه تعالى خلق آدم بشرا سويا من غير والد ووالدة . والغرض من الحديث : أنه عليه الصلاة والسلام لم يدر في أطوار الخلق ، بل أبدعه اللّه على صورته . ومن أحاط بما ذكرناه ، لم يصعب عليه مدرك تأويل ما يسأل عنه ، بعد التثبّت وعدم الابتدار إلى تأويل كل ما يسأل عنه من مناكير الأخبار . فهذا ، رحمكم اللّه ، كاف بالغ في إثبات العلوم بالصفات الواجبة المنقسمة إلى النفسية والمعنوية ، وقد اندرج في خلل الكلام في هذا القسم ، إيضاح ما يستحيل على اللّه تعالى .
--> ( 1 ) رواه البخاري في كتاب تفسير سورة 50 باب 1 . كتاب التوحيد باب 7 ، 25 . مسلم في كتاب الجنة حديث 35 ، 37 ، 38 . الترمذي في كتاب الجنة باب 20 أحمد في مسنده ( 2 / 369 ، 507 ) . ( 2 ) رواه البخاري في كتاب الأدب باب 6 . مسلم في كتاب الجنة حديث 46 ، 47 . الترمذي في كتاب جهنم باب 13 . ابن ماجة في كتاب الزهد باب 4 . أحمد في مسنده ( 3 / 145 ) .